كان 72 الثابت والمتحول

عفوا لم نجدكم » لكان لوتش »

بقلم الطاهر الشيخاوي

الثابت والمتحول : معادلة أفلام الأقسام الرسمية ولعبة المهرجان مع متابعيه. كان لوتش مثالا. السؤال هل يتحصل المخرج البريطاني مرة ثالثة على السعفة الذهبية ؟ قد يكون وقد لا يكون. المفارقة لا تزال تكبر ولا يزال كان لوتش يعيد انتاجها من شريط إلى شريط، ولا أحد ينتظر منه تغييرا أو تراجعا. عائلة بسيطة متكونة من الأب والأم وابن مراهق وبنت صغيرة، عائلة شعبية نموذجية تعاني الأمرين من قهر النظام الرأسمالي. هو يشتغل سائقا، هي معينة منزلية تعنى بالمرضى وكبار السن في بيوتهم. يتابع كان لوتش عن كثب العلاقات العائلية وتأثرها بظروف العمل القاسية معتمدا ضربا من الواقعية الإجتماعية بات سيدها الأوحد. لا يمكن لأحد نقض حكم كان لوتش، قسوة النظام الرأسمالي لا نقاش فيها، كل القيم الإنسانية تنهار تحت وطأته، لا يوجد مخرج على وجه الأرض يضاهي صاحبنا في فضحه للاإنسانية رأس المال والتنديد بها، وتميزٰه يكمن في اطلاعه على جزئيات القوانين (بكل معاني الكلمة) التي تسير علاقاتنا وتحددها مهما كان ثراؤنا الإنساني

وهنا بالتحديد تكمن المشكلة، مشكلة كان لوتش، فهو لا يترك للشخصيات أي إمكانية للخلاص. فهم في الوقت نفسه لعبة بيدي القهر المنظم وهذا الرصد قريب جدا من الواقع ولعبة طيعة بيدي الكاتب والمخرج السينمائي، لا يمكن لهم التحرك خارج ما سطر لهم وهو أمر محير للغاية من حيث الإبداع وقدرة الفن السابع لا فقط على اعادة انتاج الواقع الاجتماعي ولكن على الاقتراح الذي يتجاوز كل الأسباب والمسببات

.

ألم وشهرة » لبيدرو المودوفار »

الثابت والمتحول : ألمودوفار, آه ألمودوفار. ثابت وعلى ذاته يدور. وفاؤه لنفسه يرقى به إلى طبقة المترشحين الكبار للسعفة الذهبية. إذا كنت من أنصار المودوفار فلن يخيب ظنك. وفاؤه على قدر خيانة شخصياته. « ألم وشهرة » ذكريات مخرج كبير يعيد قراءة مسيرته بمرها وحلوها، الطفولة البائسة ولحظات نشأة الرغبة الأولى والغراميات والشهرةمنذ الوهلة الأولى، منذ الجينيريك، يتم اللقاء مع المودوفار ومع ألوانه وشخصياته النسائية (أه بينيلوب كروز !) والرجالية ( آه انتونيو بانتيراز !) تحركها رغبة جانحة في الحياة والحب في فضاءات متوسطية متناغمة مع محيطها بجماله وقبحه. عندما تدخل عالم المودوفار تجد ما تنتظره تماما كما تدخل عالم كان لوتش. مع طبعا كل الفوارق في الألوان والرؤى. ثابت وعلى ذاته يدورلا يمكن بالمناسبة أن لا نتذكر كل المخرجين الكبار الذين في لحظة ما وقفوا على سيرتهم الذاتية. لنترك يوسف شاهين، حدوثة قد تذهب بنا إلى بعيد بعيد وان كان هو أيضا متوسطي وان كانت المقارنة تصح ولكنها لن تكون تماما في صالح المودوفار. لنأخذ فيليني وهو أقرب ثقافيا من صاحبنا ولنتذكر « ثمانية ونصف » فندرك كم نحن بعيدون عما يمكن أن ينتظره محبو السينما كلما تناول مخرج كبير موضوع السينما من باب سيرته الذاتية. ولكل واحد حكمه وذوقه

حياة خفية » لترينس ماليك »

الثابت والمتحول : تيرنس ماليك. هنا يتحول الثابت وندخل بابا مغايرا. المنعرج خطير لأن تيرنس ماليك لا يلعب وان كان لا يمتنع على الدوران على ذاته أو لنقل أنه يلعب لعبة أخطر. تاه تيرنس ماليك منذ سنوات وغاب عن رادار متابعي السينما التقليدية، تاه في فضاءات جديدة راميا عرض حائط السينما التقنيات المعتادة في بحث محيّر عن شئ نجهله في مفترق طرق بين الحلم والشعر والتغني بالطبيعة والتخلي التام على الخطية السردية. ولكن موضوع « حياة خفية » تاريخي سردي بامتياز لا يحتمل اللعب هنا في سماء كان : مواطن نمساوي، فلاح بسيط يقف صامدا ضد النازية بدون هوادة وبكل هدوء إلى آخر لحظة في حياته حتى الإعدام. القصة حقيقية ومعروفة ومراحلها بينة في الشريط : فرانس ياجرستاتر في ريفه ينعم بالسعادة منصهر في وسطه سعيد بزواجه وببناته، تحولٌ فجئي للنظام ودعوته للاتحاق بالجيش ورفضه الذي باغت الجميع واعتقاله ومعاناته في السجون والمساعي المتكررة لكي يتراجع عن رفضه لمبايعة هتلر ومقاومته المستميتة، كل ذلك موجود في الشريط ولكن لم يتخل ماليك عن تمشيه الأخير الذي يصعب وصفه : استعماله لتقنيات الكامرا الرقمية، اشتغاله على الزاوية العريضة، حركة لا تتوقف، مونطاج يمزج بين الحاضر والماضي بطريقة مفاجئة وغير معتادة، مراوحة بين الشخصيات ومحيطها الطبيعي في سنفونية روحانية لا تبعد عن فلسفة وحدة الوجود وتمطيط زمني مجرد، شريط صوتي منفلت عن الصورة، موسيقى لاتنتهي وقراءة للرسائل المتبادلة بين فرانتس وزوحته. الثابت هنا هو أن تحول تيرنس ماليك لا رجعة فيه. ابتعد ماليك (ولم يأت حتى إلى المهرجان) ولكن هل اقترب من السعفة الذهبية ؟ في قضية الحال، في قضية تيرنس ماليك المسألة تتعلق بشئ آخر يتصل بماهية السينما.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Check Also

Close
Close
mhelp.by | www.adanaescortece.com