فلمان بارزان في المسابقة الرسمية

بقلم الطاهر الشيخاوي

شباب (الربيع) لوانغ بينغ

أن يكون العامل عاملا

وانغ بينغ مخرج صيني من أهم مخرجي جيله، تخصص في الفيلم الوثائقي وذاع صيته بعد عرض شريط « في غرب السكك » في تسع ساعات، يتضمن ثلاثة أجزاء، بدأ تصويره سنة 1999 وانتهى منه سنة 2003. يتابع فيه المخرج حياة عمال يقطنون بحي يحمل إسم عنوان الفيلم بمدينة شينيانغ. يشارك وانغ بينغ لأوّل مرّة في المسابقة الرسمية بوثائقي جديد « شباب(الربيع) » طوله ثلاثة ساعات وهو جزء من عمل بقيته آتية. دام التصوير خمسة سنوات من 2014 إلى 2019 بمدينة شيلي عاصمة النسيج، تبعد 150 كلم على مدينة شانغاي.

حي بأكمله مخصص لصناعة النسيج. شباب في العشرين من العمر يشتغلون هنا في مصانع مختلفة، وهنا ينامون ويعيشون. يتابعهم وانغ بينغ عن قرب مسجّلا حركاتهم في العمل وخارج العمل، وراء ماكيناتهم وفي مبيتاتهم، يتحدثون ويمرحون، يتخاصمون ويعشقون، يستمعون للموسيقا ويتبادلون أطراف الحديث عن مغامراتهم العاطفية ومشاريعهم المستقبلية، وحتى في تنظيمهم الاحتجاج على ظروف عملهم وأجورهم المنخفضة. ثلاث ساعات ونصف الساعة ونحن نعيش ما يعيشون حتى كدنا ننسى أننا أمام عمل سينمائي. الغاية ليست التقاط لحظات بارزة دراميا وإنما التعايش مع هؤلاء الشباب. تتمثل أهمية الشريط في طوله، في تمكيننا من الغوص في حياة هؤلاء العمال ببساطة. يمارس وانغ بينغ الوثائقي في مفهومة الأوّل والأساسي : تمكين المشاهد من التعرف على ظروف عمل الشباب في ورشات النسيج. تتكرر الأحداث ولا تختلف، يحدث أن ننزعج من الروتين ولكن شيئا فشيئا ننسى أننا أمام شريط سينمائي فنسلّم بوجودنا هنا كما لو كنا مع الشخصيات ونصبح بدورنا عمالا فنتماهى تماما معهم. الغريب في أمر هذا العمل هو أننا نعطي معنى آخر لكلمة الشيوعية التي ينعت بها نظام الصين سياسته وندرك معنى العمل في سياق ومعنى أن يكون العامل عاملا. مقاربة رادكالية، أساسية، إنسانية، في غاية، قسوتها في بساطتها.

منطقة الاهتمام لجناثان غليزر

لا يمكن ما يستحيل ذكره

يرجع المخرج البريطاني إلى كان بعد عشر سنوات من

Under the skin

 بشريط أخذ عقول النقاد واعتبره الكثير المرشح الرئيسي للسعفة الذهبية. العمل مقتبس من رواية تحمل نفس الأسم لمارتن اميس.

تدور أحداثه في منزل الرائد رودولف هوس، مدير معتقل اشويتز سيء الذكر، يتابع الحياة اليومية للزوجين وعائلتهما. المنزل متاخم للمعتقل، مجانبه، لصيقه ولكن لا تخرج الكاميرا من فيلا الرائد أبدا، تتابع الحياة الهادئة لرودولف الأب وهيدويغ الأم وأبناءهم الأربعة وأم هيدويغ وخادمتهم في منزلهم الفخم يستمتعون برغد العيش في هدوء ودفء بين البيت والحديقة الفاتنة، تستقبل ربّة المنزل أصدقاءها وتدير شؤون العائلة بكلّ عناية وطمأنينة والحال أن وراء الجدران يقبع عدد لا يحصى من المساجين الشيوخ والكهول والأطفال والنساء في أكبر وأخطر وأرعب معسكر نازي. لا نرى شيئا من وهل الهولوكوست إلاّ القليل القليل، معطف نفترض أنه ملكٌ لمعتقلة من المعتقلات، تجرّب ربّة المنزل لباسه وشريط صوت بعيد ودخان محارق لا نراها تعلو في السماء، جزئيات توحي بالهول ولا تريه. لقطات ثابتة، تقطيع حاد، صور باهتة تتوالى على وتيرة نوطات موسيقية للمؤلفة ميكا ليفي. لا شيء هام يحدث إلاّ في لحظة إمكانية إقالة رودولف وتعيينه في مكان آخر. خبر مزعج جدّا سرعان ما يزول بسبب عدم استجابة المسؤول الجديد فتعود الحياة إلى مجراها العادي… قوّة الفيلم في امتناعه العنيد عن إظهار ما يجري على بضع أمتار من المنزل. عملا بمقولة كلود لنزمان الشهيرة أن لا يمكن تصوير ما يستحيل ذكره.