بعض ما كتبه جيل دولوز عن السينما السياسية والعالم الثالث

ترجمة الطاهر الشيخاوي

وعن سينمائي العالم الثالث والحداثة في السينما السياسية (*)

لعلّ ريني (Alain Resnaisَ) وستروب وزوجته (Jean-Marie Straub & Danielle Huillet ) من أكبر السينمائيين السياسيين الغربيين في السينما الحديثة. ولكن من الغريب أن حداثتهم لا تكمن في حضور الشـعب وإنما، بالعـكس، في أنهم عـرفوا كيـف يبينون أن الشعـب هو من غـاب ، وأنه ليس هـنا. هـكذا فعـل ريـني في « الحـرب انـتهت »  (La guerre est finie)، فلن نشاهد إسبانيا : هل الشعب موجود في اللجنة المركزية القديمة أو إلى جانب الشبان الإرهابيين، أومع المناضل المرهق؟ وكذلك بالنسبة إلى الشعب الألماني في فيلم « ليسوا متصالحين » (Non réconciliés) لستراوب، هل كان هناك أصلا شعب ألماني، في هذا البلد الذي فشل في ثوراته، وتأسس تحت نظامي بيسمارك وهتلر، ليتفرق من جديد؟ هذا هو الفرق الكبير الأول بين السينما الكلاسيكية والسينما الحديثة. إذ في السينما الكلاسيكية، الشعب هنا، حتى وإن كان مضطهدا أو مخدوعا، أو خاضعا أوأعمى أو فاقدا للوعي.[….]

في السينما الأمريكية وفي السينما السوفياتية، الشعب موجود بالفعل، حقيقيا قبل أن يكون حاضرا، مثاليا دون أن يكون مجرّدا. من هنا أتت فكرة أن السينما قادرة، كفنّ جماهيري، أن تكون ثورية بامتياز أو ديمقراطية، تجعل من الجماهير فاعلا حقيقيا. ولكن عوامل عديدة أسقطت هذا الإعتقاد : حلول الهتليرية التي جعلت من الجماهير، في السينما، جماهيرا غير فاعلة بل مقهورة ؛ والستالينية التي عوضت إجماع الشعوب بالوحدة المستبدّة للحزب ؛ وانحلال الشعب الأمريكي الذي فقد القدرة على الإعتقاد أنه بوتقة الشعوب السابقة أو بذرة شعب قادم ( حتى، بل خاصة، أفلام الوستارن الجديد عبرت عن هذا الانحلال) . باختصار إذا وُجدت سينما حديثة فتكون على أساس أن الشعب لم يعد موجودا أو ما زال غير موجودالشعب غائب.

ربما صحّت، كذلك، هذه الحقيقة بالنسبة إلى الغرب، ولكن قّل عدد المؤلفين الذين اكتشفوها لأنها كانت مخفية وراء آليات السلطة وأنظمة الأغلبية، بينما ظهرت بوضوح في العالم الثالث حيث ظلّت الأمم المضطَهدة والمستغَلة في وضع أقليات دائمة، وفي أزمة هوية جماعية. أفرز العالم الثالث والأقلياتُ مؤلفين قادرين، في شأن أوطانهم وأوضاعهم الشخصية، أن يقولوا : الشعب، هو ما غاب. كان كافكا (Kafka) وكلي (Klee) أولّ من أعلنا ذلك بصريح العبارة. كان كافكا يقول إنه على الآداب الأقليّة « في الأوطان الصغيرة » أن تعوّض « وعيٍا وطنيا عاطلا في أغلب الأحيان وفي تفكّك مستمر« ، وعليها أن تتحمّل مهاما جماعية في غياب الشعب ؛ أمّا كلي فكان يقول إن الرّسم، لكي يجمع كلّ أجزاء « أعماله العظيمة« ، يحتاج إلى « قوة أخيرة« ، أي إلى الشعب الذي ما زال غائبا (41). وما صحّ في الرسم فهو أصحّ في السينما باعتبارها فنّا جماهيريا. أحيانا، يجد سينمائيُّ العالم الثالث نفسَه أمام جمهور، أمّي في غالب الأحيان، اِمتلئت أعينهم بالمسلسلات الأمريكية والمصرية أوالهندية وأفلام الكاراتي، فيتحتّم عليه المرور من هذه المادّة التي يجب الإشتغال عليها لاستنباط عناصر شعب لا يزال غائبا (لينو بروكا) (Lino Brocka). وأحيانا أخرى، يجد سينمائيُّ الأقلية نفسَه في الطريق المسدود الذي تحدث عنه كافكا : استحالة عدم « الكتابة« ، استحالة الكتابة في اللغة المهيمنة، استحالة الكتابة بطريقة أخرى (عاش بيار بيرو(Pierre Perrault) هذا الوضع في « بلاد بدون عقل » (Un pays sans bon sens)، استحالة عدم الكلام، استحالة الكلام بغير اللغة الأنجليزية، استحالة الكلام بالأنجليزية، استحالة الإقامة في فرنسا للكلام بالفرنسية…). فلا بدّ من المرور من حالة الأزمة هذه، ولا بدّ من إيجاد حلّ لها. معاينة غياب الشعب لا تعني التخلّي عن السينما السياسية بل، بالعكس، تلك هي القاعدة التي على أساسها ترتكز مستقبلا السينما السياسية في العالم الثالث وفي الأقليات. لا بدّ للفنّ، وخاصّة الفن السينمائي، أن يساهم في هذه المهمة : لا أن يتوجّه لشعب مفترض، موجود وقتها، وإنما أن يساهم في اختراع شعب. في الوقت الذي يعلن فيه السيد والمستعمِر أنه « لم يوجد شعب هنا »، يصبح الشعب الغائب صيرورةً، يخترع نفسَه، في الأحياء القصديرية وفي المخيمات وفي الغيتوات وفي ظروف جديدة من النضال، فلا بدّ للفن السياسي، وهو سياسي بالضرورة، أن يساهم فيه.

هناك فرق كبير ثان بين السينما السياسية الكلاسيكية والسينما السياسية الحديثة، وهو يهمّ العلاقة بين السياسي والشخصي. اقترح كافكا أن الآداب « الكبرى » ترسم دائما حدودا بين السياسي والشخصي، وتحافظ عليها مهما تحركت هذه الحدود، بينما في الآداب الصغرى تكون القضية الشخصية سياسية على الفور و« تؤدي إلى حكم بالحياة أو بالموت« . وصحيح، في الأوطان الكبرى، أن العائلة والزوجان وحتى الفرد يتكفّلون بشؤونهم الخاصة بالرغم مما تحمله هذه الشؤون من تناقضات ومشاكل إجتماعية أو من تأثير مباشر لهذه التناقضات والمشاكل عليها. يمكن للعنصر الشخصي أن يرتقي إلى الوعي، فيعود إلى أسباب قضيته ويكتشف « الموضوع » الذي يعبّرعنه. بمعنى أن السينما الكلاسيكية مانفكت تحافظ على هذه الحدود بين السياسي والشخصي والتي تمكّن، عن طريق الوعي، من المرور من قوة إجتماعية إلى أخرى، ومن موقف سياسي إلى موقف آخر : تكتشف « الأم » في فيلم بودفكين الموضوع الحقيقي لنضال إبنها وتواصل المقاومة بعده ؛ وفي « عناقيد الغضب » (the grapes of wrath) لفورد (John Ford) إنما الأمّ هي التي تعي بالأوضاع إلى درجة ما، فيواصل إبنها العمل لمّا تتغير الأوضاع. ولكن لم يعد الأمر كذلك تماما في السينما السياسية الحديثة، فتزول الحدود الضامنة لتوفير القدر الأدنى من المسافة والتطور، وتختلط القضية الشخصية بالبعد الإجتماعي أو السياسي الآني. في فيلم « يول » (Yol) ليلماز غوني (Yilmaz Güney)، تشكل المجموعات العائلية شبكة من التحالفات، نسيجا من العلاقات المترابطة ارتباطا يجعل الشخصية قادرة على الزواج من إمرأة أخيه المتوفي، ويمكّن شخصية أخرى من الذهاب بعيدا للبحث عن زوجته المذنبة، مرورا عبر حقل من الثلوج لعقابها أينما كانت ؛ في « القطيع » (Sürü) وفي « يول« ، البطل الأكثر تقدمية محكوم عليه بالإعدام مسبقا، كما لو تعلق الأمر بعائلات رعوية تقليدية. الأهم، في الحقيقة، أنه لم يعد هناك « الخطّ العام » (La ligne générale)، أي لا تطور من القديم إلى الجديد، ولا ثورة تقفز بنا من القديم إلى الجديد. هناك، كما في سينما أمريكا الجنوبية، تطابق أو تداخل بين القديم والجديد، « يشكّل عبثيةً » ويكتسي « شكل الغرابة » (42). فعوض أن نجد علاقة بين السياسي والشخصي، نلاحظ تعايشا، إلى حدّ العبث، بين فترات إجتماعية مختلفة جدّا.

ففي أعمال روشا (Glauber Rocha) ، تمثّل أساطير الشعب، أساطيرالنبوّة واللصوصية، الوجهَ القديم للعنف الرأسمالي، كما لوعكس الشعب العنفَ المسلّط عليه، فوجّهه ضدّ نفسه وبالغ فيه، في ضرب من العبادة (« إلاه أسود وشيطان أشقر » « Deus e o Diabo na terra do Sol » ). فيفقد الوعي قيمتَه، إما لأن الوعي يذهب باطلا كما هو الشأن لدى المثقف، وإما لأنه ينحصر في داخل الشخصية كما هو الشأن لدى أنطونيو داس مورتس  (Antonio Das Mortes) لأنه لا يدرك إلا تجاور وجهيْ العنف ومواصلة هذا بذاك.

وماذا بقي إذن ؟ بقيت سينما « التحريض« ، أعظم سينما عرفناها في هذا المجال : لا ينبع التحريض من وعيٍ، وإنما يتمثل في وضع كل شئ، الشعب وأسياده وحتى الكاميرا، في حالة من الغشية (transe)، يتمثل التحريض في دفع كل شئ إلى الأقصى حتى يتواصل العنف مع العنف، وتدخل القضية الشخصية في السياسة والقضية السياسية في الحياة الخاصة  كما في « الأرض في الغشية » (Terre em Transe). من هنا يأتي الجانب الخاص جدّا الذي يميّز الأسطورة عند روشا : لا يتعلق الأمر بتحليل الأسطورة لكشف دلالتها أو بنيتها التقليدية، وإنما بتحويل الأسطورة التقليدية إلى حالة من الدوافع في مجتمع اليوم، كالجوع والعطش والجنس والعظمة والموت والعبادة. في آسيا، في أعمال بروكا (Lino Brocka)، نجد كذلك، تحت الأسطورة، آنية الدوافع الفجّة وآنية العنف الإجتاعي لأن الدوافع ليست « طبيعية » تماما كما أن العنف الإجتماعي ليس « ثقافيا » (43). استخراج الواقع المعيش من الأسطورة والذي يشير في نفس الوقت إلى استحالة العيش، عمليةٌ يمكن أن تتم بطرق مختلفة، ولكنها تمثل ولا تزال الموضوعَ الجديد للسينما السياسيـة : وضع الأشياء في حالة غشية، أو في حالة أزمة. عند بيار بيرو يتعلق الأمر بحالة أزمة ولا بحالة غشية. أي بمحاولات عنيدة وليس بدوافع عنيـفةومـع ذلـك، هذا البحـث الغريب  للأجـداد الأولـين  الفرنسييـن  ( » حـكم يـوم « ، و » بـلاد بـدون عقل « ، و » كـان كـيبيكيا في بـريطانـيا     « Le règne du jour », « Un pays sans bon sens », « C’était un Kébécois en Bretagne ») يشهد كذلك، تحت الأسطورة، عن غياب الحدود بين الخاص والسياسي، كما يشهد عن استحالة العيش في هذه الظروف بالنسبة إلى المستعمَر الذي يجد نفسه في طريق مسدود أينما اتّجه (44). فلم تعد السينما السياسية الحديثة تتأسس على إمكانية التحوّل والثورة كما هو الشأن في السينما الكلاسيكية، وإنما على استحالات على طريقة كافكا : أي على ما لايحتمل. لا يمكن للمؤلفين الغربيين أن يتجنبوا هذا الطريق المسدود إلاّ إذا سقطوا في تقديم شعب من الكرتون وثورة من الورق. لذلك كان كومولي (Jean-Louis Comolli) حقّا سينمائيا سياسيا عندما اختار موضوع الإستحالة المزدوجة، استحالة تكوين مجموعة واستحالة عدم تكوينها، « استحالة تجنب المجموعة واستحالة الرضى بقبولها« . « الظل الأحمر » ,(L’ombre rouge) (45). 

إذا غاب الشعب، إذا لم يعد هناك وعي ولا تطوّر ولا ثورة، تصبح خطّة الإطاحة بالنظام مستحيلة. لن يكون هناك افتكاك للسلطة من طرف البروليتاريا أو الشعب الموحد أو المتّحد. لقد آمن بتلك الخطّة، في وقت ما، أفضلُ سينمائيي العالم الثالث : غيفارية روشا وناصرية شاهين والسينما المدافعة على قضية السود في أمريكا. ولكن كان إعتقادهم ذلك يعني أنهم ما زالوا حينها يساهمون في التصّور الكلاسيكي، لأن فترات الإنتقال بطيئة، غير واضحة ويصعب تحديدها تحديدا دقيقا. أما ما أثار وعيَهم فهو بالتحديد إدراكُهم أنه لم يكن هناك شعب، وإنما هناك دائما شعوب عديدة ، عدد لامتناهي من الشعوب، وجب توحيدُها أو لم يعُد توحيدها ضروريا لكي يتغير الموضوع. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار سينما العالم الثالث سينما أقليّات لأن الشعب لا يوجد إلا في وضع الأقلية، لذلك هو غائب. لأن القضية الشخصيّة تصبح، عند الأقليّات، سياسيّة على الفور. تأسّست السينما السياسية الحديثة على التجزؤ والتشظي لأنها لاحظت أن عمليات الإدماج والتوحيد التي لم تؤدّ إلى وحدة استبدادية ولم تنقلب ضد الشعب كان مآلها الفشل. ذلك هو الإختلاف الثالث (بين السينما الكلاسيكية والسينما الحديثة). في السبعينيات، عادت السينما السوداء إلى الغيتوات ورجعت إلى ما قبل الوعي، وعوض أن تبدّل الصورة السلبية للسود بصورة إيجابية، ضاعفت عددَ الأصناف والشخصيات (« الكاراكتر« ) ولم تخلق، أو لم تخلق ثانية، إلا جزءا من الصورة التي لم تَـعُدْ مطابقة لتسلسل الأحداث، وأصبحت مطابقة لحالات من الأحاسيس والدوافع المنكسرة يمكن التعبير عنها بواسطة تصوّرات وأصوات خالصة : فخصوصية السينما السوداء اكتسبت شكلا جديدا، « لا بدّ للصراع أن يدور حول الوسيط ذاته » (شارل بورنت، روبرت غاردنر، هايلي غيريما، شارل لاين) ( Charles Burnett, Robert Gardner, Haile Gerima, Charles Lane) (46). من ناحية أخرى، نجد، في السينما العربية، نفس الصياغة لدى شاهين : يعرض « اسكندرية ليه » عددا كبيرا من الخطوط المتشابكة، تنطلق من البداية، يمثّل أحدُها الخطّ الرئيسي (قصّة الفتىولا بدّ من دفع الخطوط الأخرى إلى أن تتقاطع مع الخطّ الرئيسي؛ أما « حدوثة مصرية » فلا يُبقي على الخطّ الرئيسي، و يدفع بالخطوط المتعددة إلى أن تبلغ الوعكة القلبية للمؤلف ؛ فتأتي هذه الوعكة في شكل محكمة داخلية، في ضرب من « أنا لماذا ؟« ، حيث تتصل شرايين العالم الداخلي اتصالا مباشرا بخطوط العالم الخارجي. في أعمال شاهين، يكتسي السؤال « لماذا » قيمة سينمائية خالصة، تماما كالقيمة التي يكتسيها السؤال « كيف ؟عند غودار. « لماذا ؟ » ذلك هو السؤال الداخلي، سؤال الأنا : لأنه إذا غاب الشعب، إذا تشظى وأصبح أقليات، فأنا الذي أكون شعبا، شعبا من الذرّات كما يقول كارميلو بيني (Carmelo Bene)، شعب شراييني كما يمكن أن يقول شاهين (ويقول غيريما من ناحيته إنه إذا تكاثر عدد « حركات » السود، يصبح كلّ سينمائي حركة في حدّ ذاته). ولكن « لماذا ؟ » هو أيضا سؤال الخارج، سؤال العالم، سؤال الشعب الذي يخترع نفسَه وهو غائب، والذي يملك فرصة اختراع الذات وهو يطرح على الأنا السؤال الذي طرحه عليه الأنا : اسكندريةأنا، أنااسكندرية. عديدة هي أفلام العالم الثالث التي أثارت موضوع الذاكرة، ضمنيا أو حتى في العناوين ك« لبقية العالم » لبيروا (Pour la suite du monde)، « حدوثة مصرية » لشاهين، « الذاكرة الخصباء » لميشال خليفي. ليست هذه الذاكرة ذاكرة سيكولوجية، كقدرة على استعادة الذكريات، وليست ذاكرة جماعية لشعب موجود. إنها، كما سبق أن قلنا، قدرة عجيبة، على ربط الخارج ربطا مباشرا بالداخل، ربط قضية الشعب بالقضية الشخصية، ربط الشعب الذي غاب بالأنا الذي تغيّب، هي غشاءٌ، صيرورة مزدوجة. يكتب كافكا متحدثا عن قوّة الذاكرة عند الأمم الصغيرة : « ذاكرة الوطن الصغير ليست أقصر من ذاكرة الوطن الكبير، فهي تشتغل بأكثر عمق على المادة الموجودة« . إنها تكسب من العمق والبعد ما لا تملك من الإتساع. فلم تعُدْ سيكولوجية ولا جماعية لأن الفرد لا يرث « في بلد صغير » إلا نصيبه ولا يملك إلا هذا القدر، حتى وإن لم يعرفه أو لم يسانده. هناك تواصل بين العالم والأنا، في عالم مجزَّئ وفي أنا منكسرة، يتواصلان باستمرار. كأننا بذاكرة العالم بأكملها تُطرح على كل شعب مضطَهد وكأننا بذاكرة الأنا بأكملها تدور داخل أزمة عضوية. شرايين الشعب الذي أنتمي إليه أو شعب شراييني.

هذه الأنا، أليست أنا مثقف العالم الثالث الذي رسم ملامحَه روشا وشاهين وغيرُهم، المثقف الذي يلتزم بالقطع مع وضع المستعمَر، ولكن لن يتمكّن من ذلك إلّا مرورا بالمستعمِر، على الأقل جماليا من خلال التأثيرات الفنية ؟ أمّا كافكا، فاقترح نهجا مغايرا، نهجا ذيّقا بين مخاطرتين : المؤلف غير قادر على إنتاج خطاب فردي يكون بمثابة حكايات مخترعة، لأن « المواهب الكبيرة » أو الأشخاص الإستثنائية ليست عديدة متعدّدة في الآداب الأقلية، ولكن يجد المؤلفُ نفسَه، بسبب غياب الشعب، في وضع يجعله ينتج خطابات جماعية بالفعل، كأنها براعم شعب قادم، يكون بعدُها السياسي مباشرا، ولا يمكن تجنبه. وبالرغم من وجوده على هامش طائفته أو بعيدا عنها، طائفة أُمّية أو تكاد، يتمكن، بفعل هذا الموقع بالتحديد، من التعبير عن القوى الكامنة فيها، وفي عزلته تلك، يكون عنصرا فاعلا على مستوى جماعي، محفّزا ومؤثرا. وما يقترحه كافكا في مجال الأدب يصحّ أكثر في السينما باعتبارها توفّر ظروفا جماعية. وفعلا تلك هي آخر صفة لسينما سياسية حديثة. يجد المؤلف السينمائي نفسه أمام شعب مستعمَر مرتين من الناحية الثقافية: مستعمَر بحكم الحكايات الواردة من الخارج وبحكم أساطيره التي أصبحت كيانات مجرّدة في خدمة المستعمِر. لا يجب إذن على المؤلف أن يكون عالِما إثنوغرافيا لشعبه ولا أن يخترع هو نفسُه روايةً تكون قصّة شخصية، لأن أي رواية شخصية وأي أسطورة شخصية ستكون في صالح « الأسياد« . لذلك السبب، نرى غلوبير روشا يحطّم الأساطير من الداخل كما نرى بيير بيرو يندّد بأي رواية قد يخترعها المؤلف. فلا يبقى للمؤلف إلاّ إمكانية اتخاذ « وسطاء« ، أي شخصيات حقيقية لا خيالية، يمكّنها من وضع حكاياتهم في شكل « روائي« ، أو« أسطوري« ، أو « خرافي« . يخطو المؤلف خطوة نحو شخصياته وتخطو الشخصيات خطوة نحو المؤلف : في صيرورة مزدوجة. الحكاية التي ينسجها لا تعني أسطورة لاشخصية كما لا تعني رواية شخصية : إنما هي كلمة في فعل أو فعل في كلمة، فعل لغوي تُواصل، من خلاله، الشخصية باستمرار اجتيازَ الحدود التي قد تفصل قضيتها الشخصية عن السياسة، فتنتج هي نفسُها حكايات جماعية.

كان سارج داني (Serge Daney) يلاحظ أن السينما الإفريقية (وهذا ينطبق على العالم الثالث بأكمله) ليست، كما يريد الغرب، سينما ترقص وإنما هي سينما تتكلم، سينما الفعل اللغوي. هكذا تتخلّص السينما من الخيال ومن الاثنولوجيا. في « شيدو Ceddo « ، يُطلق صمبان عصمان الحكيَ الذي يأسّسُ للكلمة الحيّة ويضمنُ الحريةَ والتّـنقّل، ويمنحها قيمة الخطاب الجماعي، يطلق صمبان عصمان عملية الحكي في وجه أساطير المستعمر الإسلامي (47). ألم يكن ذلك أيضا ما قام به روشا مع أساطير البرازيل ؟ بدأ نقده الداخلي بتحرير الواقع المعيش من وطأة الأسطورة، واقع معيش قد لا يكون قابلا للإحتمال ولا للعيش، يكون استحالةً للعيش الآن في « هذا » المجتمع ( « إلاه أسود وشيطان أشقر » و« الأرض في غشية« ) ؛ ثم انتزع من العيش المستحيل فعلا لغويا لا يمكن إسكاته، لا يكون رجوعا إلى الأسطورة وإنما هو إنتاج خطاب جماعي قادر على الرقيّ بالبؤس إلى إيجابية عجيبة، قـادر على اخـتراع شعـب ( « انتونيو الـموت » و« الاسـد صاحـب الـرؤوس السبعـة » و « رؤوس مقـطوعـة »                                  (Antonio Das Mortes, Der Leone have Sept Cabeças, Cabezas cortadas) (48).

الغَشية، حالة الغشية هي انتقال، مرور أو صيرورة. إنها تجعل الفعل اللغوي ممكنا من خلال ايديولوجيا المستعمِر وأساطير المستعمَر وخطابات المثقف. يضع المؤلف الاجزاءَ في حالة غشية للمساهمة في اختراع شعبه الذي هو، وحده، قادر على تشكيل المجموعة كلّها. مع أن الاجزاء عند روشا ليست واقعية تماما، ولكن أعيدت صياغتها (وقد تمّت صياغتها من جديد لدى صمبان عصمان في سياق تاريخي يعود إلى القرن السابع عشر). وفي الجانب الاخر من أمريكا، يلتفت بيرو إلى شخصيات واقعية، « وسطائه« ، ليتجنب الخيال مهما كان، ولينتقد الأسطورة. يعتمد بيرو التأزم فيطلق الفعلَ اللغوي الحاكي، مولّدا الفعل حينا ( اختراع صيد الخنزير البحري من جديد في « من أجل بقية العالم » Pour la suite du monde) ومتخذا نفسه كموضوع أحيانا آخـرى (البحث عن الأجداد في « الحكم يوما » Le règne du jour) ودافـعا إلى المحاكات الخلاّقـة أحيانـا أخرى ( صيد المـوظ في « الدابة المـضيئة »  La bête lumineuse) ولكن دائما بطريقة تجعل من الحكي ذاكرة في حدّ ذاتها ومن الذاكرة اختراع شعب. ثم ربما يبلغ الأمر أقصاه مع «  بلاد الأرض الخالية من الأشجار »Le pays de la terre sans arbre » الذي يجمع كل الوسائل أو عكس ذلك مع « بلاد بدون عقل » الذي يتضمن وسائل محدودة (لأن هنا الشخصية الحقيقية تعيش في عزلة فائقة ولا تنتمي حتى إلى الكيبيك وإنما إلى أقلية فرنسية في بلاد الأنجليز، تقفز من ويننغ إلى باريس من أجل إعادة اختراع انتمائه الى الكيبيك إنتماء أفضل وإنتاج خطاب جماعي) 49. لا يتعلق الأمر هنا بأسطورة شعب ماض ولكن بنسج حكاية شعب قادم. كان لا بدّ أن يتحوّل الفعل اللغوي إلى لغة أجنبية في ظل لغة مهيمنة، للتعبير عن استحالة العيش تحت الهيمنة). تخرج الشخصية الحقيقية من حالتها الخاصة بها، وفي الوقت نفسه، يخرج المؤلف من حالته المجرّدة ليصوغا معا، وليصوغ الجميعُ، خطابات عن الكيبيك وعن أمريكا وعن بريطانـيا وعن باريـس (خطاب غير مباشر حرّ). أمّـا عنـد جـان روش (Jean Rouch) فـي إفريـقيا، فغـشية « الأسيـاد المـجانيـن  Les maîtres   fous » تمتدّ في مستقبل مزدوج، تتحول فيه الشخصيات، وهي تحكي، إلى شخصيات أخرى، ويتحول المؤلف نفسه، وهو يخلق شخصيات حقيقية، إلى شخص آخر . قد نعترض على ذلك بالقول إنه لا يمكن اعتبار روش مؤلفا من العالم الثالث، ولكن لا يوجد سينمائي فعل ما فعله روش للهروب من الغرب ومن نفسه، للقطع مع سينما الإثنولوجيا، وقال « أنا، أسود » عندما أدّى السود أدوارا تشبه أدوار المسلسلات الأمريكية أو أدوار باريسيين محنّكين. لان فعل اللغة يحمل رؤوسا عديدة و يزرع شيئا فشيئا عناصر شعب قادم، كما يفعل الخطاب الحرّ المباشر الذي تحمله إفريقيا لتعبّر عن ذاتها وعن أمريكا أو عن باريس. وبصورة عامة ترمي سينما العالم الثالث إلى ما يلي : تكوين تركيبة تجمع أجزاء حقيقية، بواسطة الغشية أو الأزمة، لتمكينها من إنتاج خطابات جماعية تنبئ بشعب غاب (وكما يقول كلي لا يمكننا أن نفعل أكثر من ذلك).

(*) Gille Deleuze, L’image-temps, ed. de Minuit, pp. 281-291


41. Cf. Kafka, journal, 25 décembre 1911 (et « lettre à Brod », juin 1921); Klee, Théorie de l’art moderne, Médiations, p. 33

(« وجدنا الأجزاء ولم نجد بعدُ الكلّ. تنقصنا هذه القوّة الأخيرة بسبب غياب شعب يحملنا. نحن نبحث على هذا الدعم الشعبي. بدأنا، في الباوهاوس، بطائفة أعطيناها كل ما نملك. لا يمكن أن نفعل أكثر من ذلك. » ويقول كذلك كارميلو بيني  في (Dramaturgie p.113) : « أمارس مسرحا شعبيا. إثنيا. ولكن الشعب غائب. »

42. Roberto Schwarz et sa définition du  » tropicalisme  » , les Temps modernes, no 288, juillet 1970.

43. Sur Lino Brocka, son usage du mythe et son cinéma de pulsions, cf. Cinématographe, n° 77, avril 1982 (notamment l’article de Jacques Fieschi, « Vio­lences ».)

44. Sur la critique du mythe chez Perrault, cf. Guy Gauthier, « Une écriture du réel », et Suzanne Trudel, « La quête du royaume, trois hommes, trois paroles, un langage », in Ecritures de Pierre Perrault, Edilig.

45. Jean-Louis Comolli, entretien, Cahiers du cinéma, n° 333, mars 1982. 286

46. Yann Lardeau,  » Cinéma des racines, histoires du ghetto », Cahiers du cinéma, no 340, octobre 1982.

47. Cf. Serge Daney, La rampe, Cahiers du cinéma-Gallimard, pp. 118-123 (surtout le personnage du fabulateur).

48. Sur la critique du mythe et l’évolution de l’œuvre de Rocha, cf. Barthélemy Amengual, « Le cinéma nôvo brésilien », Etudes cinématographiques, Il (p. 57 :  » le contre-mythe, comme on dit un contre-feu »·)

49. Ecritures de Pierre Perrault

كتابات بيار بيرو » عن الشخصيات الواقعية والفعل اللغوي كوظيفة حكي، « التلبس بنسج الخرافة » انظر الحديث مع روني آليو حول « الدابة المضيئة » يقول بيرو : « التقيت مؤخرا ببلد لم أظن أنه موجود (…) كل شئ في هذا البلد الصامت يتحوّل إلى خرافة بمجرد ذكره ».

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Bouton retour en haut de la page