مهرجان كان 72

بقلم الطاهر الشيخاوي

انطلاقة واعدة

2019-05-16

الأموات لا يموتون » لجيم جارموش »

افتتح اذن شريط « الأموات لا يموتون » لجيم جارموش الدورة 72 لمهرجان كان السينمائي فكان الافتتاح أمريكيا خلافا للدورتين السابقتين. هذا أول ما يمكن الإشارة إليه (إذا أردنا استقراء هذا الإختيار ) أي أن الخلاف مع الولايات المتحدة الأمريكية وبالتحديد مع السينما الأمريكية الذي تواتر في السنوات الأخيرة ليس شاملا وقطعيا بل يخصّ نوعا من الانتاج، فالجميع يعلم أن جارموش سينمائي مستقل وقريب جدا في اتجاهه من سينما المؤلف الاوروبية الذي كان تأثيرها حاسما في اتباعه مسلك الفن السابع وبينا في مقاربته الجمالية. والإشارة الثانية هي وفاء المهرجان لعدد من المخرجين الذين اقترنت اسماءهم بكان اذ جل أعمال جارموش شاركت في المهرجان شأنه في ذلك شأن أغلب اصحاب الأفلام المشاركة في الأقسام الرسمية ككان لوتش والمودوفار والأخوان دردان وتارنتينو إلخ ، ثم الملاحظة الثالثة والأهم هي أن فيلم « الأموات لا تموت » بالتحديد، مع اشتغاله على جنس معين وهو جنس الأموات الأحياء أو ما يسمى بأفلام الزامبي، فهو يحمل شحنة نقدية لا لُبس فيها فيما يتعلق بقضايا العصر

وهو بالتحديد ما يتميز به العمل وما أجمع عليه النقاد. لم يتخل المخرج عن اختياراته الجمالية ولكنه شدد على نقد انحرافات المجتمع الأمريكي (وغير الامريكي) في ما يتعلق بالاستهلاكية المفرطة وانخرام التوازن البيئي، فمنذ البداية أشار عونا الشرطة الذان يمثلان الشخصيتين الرئيسيتين إلى علامات غريبة طرأت على الزمن والمحيط، اخلالات في التمشي العادي للأحوال الطبيعية، ولكن جارموش، وهذا أيضا مرتبط بفلسفة المهرجان، لم يسقط في الخطاب النقدي المباشر والفج، كما فعل دائما، بل التجأ إلى جنس بذاته، وهذا من عادته أيضا، واخضعه لميزاجه، فهذه النوعية من الأفلام تحمل جانبا هاما من الإثارة الفرجوية بحكم ما تثيره الأموات الأحياء من خوف وتمارسه من عنف، ولكن جارموش نحا منحى طريفا ظريفا لا يخلو من دعابة ونكتة جعله في الوقت ّذاته يوجه بطريقة غير مباشرة تحية لمن سبقه في المجال كجورج روميرو صاحب «ليلة الأموات الأحياء » الشهير ويجدد ثقته من ثلة من الممثلين الذين رافقوه في سيرته والذي أبى إلا أن يعيد استخدامهم في شريطه

ليس « الاموات لا يموتون » أفضل عمل قدمه جارموش ومن الصعب أن يتحصل على جائزة كبيرة ولكنه رسم للمهرجان من البدء خطه الذي نفترض أنه سيتضح في الأيام القادمة

ضريح سيد المجهول » لعلاء الدين اللجم »

لا بد من الإقرار بأن عدد الأفلام الجديرة بالمشاهدة كثيرة جدا هذه السنة، فصعبت المهمة. كيف يمكن

مشاهدة خمسة أفلام في اليوم الواحد والتمكن من الكتابة عنها دون احتساب ما تتطلبه بقية الأشياء الأخرى من وقت كمتابعة الللقاءات والمواعيد المهنية والأكل والراحة إلخ

قلنا يمكن التعرض بعجل للأفلام مع ابداء رأي سريع مع أمل الرجوع إليها في وقت لاحق للتمعن فيها أو في أهمها

رغبتنا كانت قوية في رؤية « ضريح سيد المجهول » لِما عرفناه عن مخرجه الشاب علاء الدين اللجم من تميز. فواكبنا أول عرض للشريط صباح الإربعاء مع الحادية عشر والنصف في قاعة المراماس الخاصة بأفلام أسبوع النقاد. حظي الفيلم بحضور غفير وترحاب حار .

كعادته اختار علاء الدين اللجم نفس الموضوع ونفس الأسلوب. هاجسه الأساسي هو حالة التناقض التي يعيشها المجتمع بين الحداثة والتراث بمقاربة غير مألوفة يغلب عليها نوع من العبثية مع تركيز خاص على الفضاءات المفتوحة. نقطة انطلاق الموضوع هي شاب يدفن كمية من الأموال سرقها في مكان ناء قبل أن يلقى القبض عليه، وبعد خروجه من السجن يرجع الشاب إلى مكان الدفن لاستخراج أمواله فيكتشف أن ضريحا قد بني فوق الموقع. ومن هنا تبدأ الرواية وتتداخل قصص شخصيات أخرى تسكن القرية لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالضريح دون أن تكون عناصر الحكاية محبوكة على الطريقة الكلاسيكية، فالغالب هو محاكاة أجناس سينمائية كالويسترن وتركيب عناصر مختلفة كونية في شكلها وعناصر حضارية محلية في مضمونها. لقطات ثابتة وفضاءات واسعة وشخصيات منمطة عمدا ووضعيات مضحكة تجعل المتفرج يأخد مسافة نقدية تجاة جوانب من الممارسات الثقافية والإجتماعية بالمغرب الأقصى.

هل توفق علاء الدين اللجم في شريطه ؟ يبقى السؤال مطروحا ولكل جوابه. المهم هو طبيعة المحاولة وجرأة المخرج في تمشيه ولنا عودة للموضوع بأكثر ترو

ثور » لآني سلفرشتاين »

أنتقلنا بعدها إلى قاعة ديبوسي حيث شاهدنا شريطا من قسم نظرة ما وهو « بول » للمخرجة الأمريكية آني سلفرشتاين. مخرجة أمريكية سبق لها أن تحصلت في كان على جائزة السينيفنداسيون وهاهي ترجع هذه السنة بشريط طويل لن يمر في نظري مرّ الكرام. شريط عميق ودسم، تجري أحداثه في غرب مدينة هوستن في حي فقير. علاقة طريفة تنشأ بين كهل ذي بشرة سوداء وفتاة صغيرة بيضاء البشرة تعيش حالة من الاضطراب، والدتها قابعة في السجن . آيب مربي ثيران ومنظم حفلات روديو كان له صيت في الماضي ولكن ما تعرض له من إصابات أجبره على التخلى شيئا فشيئا على نشاطه. تبدأ العلاقة بينه وبين المراهقة كريس بداية خصامية ثم تتغيير تدريجيا فتقوى وتتعزز فتجعل كريس تقترب من عالم آيب وترغب في ممارسة فن الركوب على الثيران الوحشية. تختار المخرجة أسلوبا متميزا يمزج بين الوثائقي والروائي في متابعة للشخصيات لصيقة ودقيقة ترصد بفضلها التحولات الطفيفة والدقيقة التي تطرأ شيئا فشيئا على نفسية الفتاة, شريط في غاية من اللطف والعمق يذدهب بالمشاهد بعيدا في استكشاف مسألة الآخر

من زوجة أخي إلى البؤساء

 2019-05-17

زوجة أخي » لمنية شكري »

وكانت رغبتنا قوية أيضا في اكتشاف شريط منية شكري « زوجة أخي » وكان افتتح قسم « نظرة ما ». تكرر إسم المخرجة في صحافتنا بسبب أصولها التونسية كما ذُكرت أسماء أخرى كعبد الكبير كشيش وحفصية الحرزي كما لو تعلق الأمر بلقاء سياسي دُولي يضمّ مبعوثين رسميين، علما وأن هؤلاء الذين ذكرتهم يحملون جنسية أجنبية وقد انصهروا تماما في ثقافة البلاد التي ولدوا أو ترعرعوا فيها وأكدت أعمالهم في سياقاتها. الأمر لافت لأنه مبني على خليط من الشعور الساذج بالإنتماء ومعرفة سطحية بنواميس الفن السينمائي. هذا لا يعني، بالنسبة إليّ، أن لا دخل إطلاقا لأوصول المخرج الثقافية والجغرافية في عمله، بل يمكنها أن تضيف شيئا ما في رؤيته، وربما ذلك هو الذي جعلني أنتظر هذا الشريط كغيري من المشاهدين العرب عموما والتونسييين خصوصا، رغبة خفية غير واعية وساذجة في التماس قيمة تضيفها « العبقرية التونسية » للسينما العالمية، لكن لم أجد في « زوجة أخي » ما يستحق الذكر الحسن. عمل أقرب إلى السيتي كوم منه إلى السينما قد يرفه على بعض النفوس القلقة ويغذي خزينة المنتج ولكنه مليئ بالكليشيهات المتعلقة بالعائلة والعلاقات التي تربط بين أفرادها. في الفيلم جانب من الترجمة الذاتية ولكن لا إحالة ولو واحدة، لمن كان ينتظر ذلك، إلى الأصول التونسية، التي لا يحق لأحد أن يطالبها بها، لا إحالة واحدة ما عدا اسم الأب واسم الأخ العربيين. وبصرف النظر على هذا كله تاه العمل في سهولة البورتري العائلي تماما على شاكلة البرامج التلفزية مع التكرار المضحك والإثارة السهلة. وتجدر الإشارة إلى أن منية شكري هي بالأساس ممثلة مشهورة في الكندا تحضى بشهرة كبيرة خاصة بعد فيلم « الغراميات الخيالية » لغزافيي دولان وان اقتربت من هذا الأخير من حيث اهتماهما بالترجمة الذاتية إلا أن عملها لا يرتقي إلى مستوى أعمال غزافي دولان مهما كان رأينا فيه

لنمر دون الخوض في أسباب اختيار الفيلم في قسم هام من الأقسام الرسمية والتي يمكن بسهولة تصورها لما نعلم أن منية شكري تدور في فلك غزافيي دولان وهو من أهم « زبائن » المهرجان

البؤساء » للادج لي »

فيلم منتظر أيضا في المسابقة الرسمية وهو « البؤساء » للمخرج لادج لي الذي يلج للمرة الأولى مهرجان كان. لادج لي لا ينتمي لمؤسسة السينمائيين القادمين من العالم الأكاديمي أو الثقافي الرسمي . فهو ابن الضواحي، عاش وترعرع في مونتفرماي شرق باريز في حي البوسكي واشتهر اثر أحداث 2005 التي عرفتهاالضواحي حيث واكبها بكامراه وصور فلما وثائقيا حول الموضوع. ينطق الفيلم من حادثة عاشها المخرجة وصورها : شاب يصاب بطلقة من رجال الشرطة أثارت ضجة كبيرة حينها. يتابع الشريط فرقة امنية التحق بها عنصر جديد له ثقافة مختلفة على ثقافة الأعوان القدماء فيكتشف، ونحن معه، عالم الشباب المراهق والمهمش في الضواحي وصراعهم مع قوات الامن. طبعا الفيلم روائي لكنه يقدم إضافة في ابراز الوضع الإجتماعي لفيئة من الشعب الفرنسي لا مكان لها في المشهد البصري ومغيبة في المخيال الشعبي. الصورة يقدمها ابن من أبناء هذه الفيئة وهذا في ذاته مهم جدّا، وأن يوفر مهرجان كان مساحة لمثل هذه الأعمال مكسب كبير يجعل من هذا الموعد الثقافي العظيم نافذة مفتوحة على التحولات السوسيولوجية في فرنسا ويعطيه مشروعية اضافية. وهكذا يكون دور المهرجانات في البلدان الديمقراطية. وهذا ما أكده المخرج في العديد من اللقاءات. من الناحية السينمائية البحتة يصعب الإقرار بتميز خاص فالشريط يعيد انتاج أشياء كنا قد شاهدناها في بعض الأفلام السابقة كالحقد لكاسوفيتس مثلا ولكن ، ويجدر الإعادة، الأهمية تكمن في الإعادة نظرا لندرة هذه الأعمال. ثم ربما يضاف إلى كل هذا تنوع وجهات النظر في الشريط من خلال الاهتمام بعدد من الشخصيات الحاملة لأبعاد سوسيو ثقافية جديدة. وربما الجديد يكمن في ابراز شحنة الحقد الذي يحرك المراهقين والأطفال الذين يلعبون دورا أساسيا في الفيلم. كل هذا جاء في قالب ديناميكي وناجع وان كان كلاسيكيا نوعا ما

بالاغوف « فتاة كبيرة » فيلم كبير

2019-05-18

فتاة كبيرة » لكانتمير بالاغوف »

كنا عبرنا عن اعجابنا بكانتمير بالاغوف من خلال شريطه « تستونا » منذ سنتين ولن نتراجع هذه السنة عن شعورنا ذلك إزاء هذا الشاب الصاعد الذي لم يبلغ بعد سن الثامنة والعشرين بعد عرض « الفتاة الكبيرة » في قسم « نظرة ما ». اللحظة كانت متميزة في البرمجة. السياق الزمني للقصة يختلف عن سياق عمله الأول وطريقة التصوير كذلك، فالأحداث تدور بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، والأسلوب يبدو أكثر ثباتا وأقرب إلى الكلاسيكية في تقنيات التصوير والسرد : كادر محكم للغاية، اختيار للألوان الباهتة الباردة ولقطات طويلة تحتوي على التركيب أكثر مما تخضع له، وتحكم في الزمن السردي مذهل مع توزيع دقيق للأحداث وإدارة ممثلين لا تشوبها شائبة. كل ذلك جعل بعض النقاد في فرنسا يرون في الفيلم تراجعا عن الأسلوب الحي الذي اتبعه المخرج في « تستونا » (وهذا صحيح) وسقوطا في فخ الأكاديمية المفرطة والإبتعاد عن المخاطرة الخلاقة، وهذا في تقديري فهم معكوس بل مجانب تماما للميزة الحقيقية للفيلم : قدرة فائقة على شرح بل تشريح السياق السياسي بعد الحرب في الاتحاد السفياتي ورصد التحولات الإجتماعية وتأثيرها على الفرد في علاقته مع ذاته ومع الآخر. ركز المخرج على وحدة المكان وهذا مهم، مستشفى يعالج فيه مصابو الحرب، والشخصيات الرئيسية ممرضات وهذا أهم. طبعا لا يعتبر هذا النوع من الاختيار متفردا نظرا لتواتره في تاريخ الأدب والسينما بعد الحرب كما لا يعتبر التركيز على الشخصيات الأنثوية تجديدا ولكن هذا إطار عام لا يدل على شئ في ذاته بل ما يبرر إعادة إنتاجه يكمن في طريقة المعالجة والتغيير الدقيق لوجة النظر. الخلفية واضحة وهي النظام الستاليني الذي لم يذكره المخرج مباشرة ما عدا مرة واحدة عند التفوه بكلمة القائد فليست الستالينية موضوع النقد وإنما النظام بصورة أعم الذي هو بصدد التركيز بعد الحرب ومواصلته لعدم اعتبار الإنسان في كيانه الأول أي في طبيعته الملموسة. المتابعة اللصيقة للشخصيات في علاقتها مع جسدها جعل المخرج يقرأ المادية، تاريخية كانت أو لا، ستالينية أو ليبرالية، التي أسست لما بعد الحرب، المادية العقلانية القاهرة المعتزة بذاتها الذكوري وإيمانها بأهمية تشييد المؤسسات، جعله يقرأها من خلال مادية أخرى (الكلمة ضعيفة)، رهيفة تضع في المركز الكيان البشري في كينونته والجسد في جسديته. من هنا جاء الاهتمام بالمرأة لا كجندر وإنما كإنسان يحمل كل جزء من أجزائه نبض الحياة وهناك يكمن الإقتراح اعتمادا على ما بدأ منذ تلك اللحظة يتغير في العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة وبين المرأة والمرأة في شروط مواصلة الحياة وإعادة انتاجها. ولكن لم يسقط الشريط في السيكولوجية المفرطة التي حولت السينما الغربية إلى وجهة تبدو مناقضة للكليانية والدكتاتورية ولكنها فتحت مجالا لدكتاتوريات جديدة مجردة بعناوين مناصرة شكلية لحقوق الفرد ولكنها مؤسسة عمليا لسلط جديدة لا تقل عنجهية عن تلك التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية والتي نرى الآن ما أدت إليه

هذا كله لا يقال في الشريط بهذه الطريقة ولكن بأسلوب سينمائي دقيق يعيد قراءة المنظومة السردية الكلاسيكية مفككا بدقة ورهافة تركيبة ما بعد الحداثة على الطريقة الروسية (وهي ميزة أخرى) انطلاقا من دستويفسكي إلى سوكوروف مرورا بايزنشطاين وتاركوفسكي

خواطر أولية عن السينما العربية

2019-05-19

بابيشا » لمنية مدور »

لا مفر من الحديث عن الأفلام العربية في مهرجان كان. التساؤل مشروع بل طبيعي بالنسبة إلى الصحفي أو الناقد القادم من هذه الربوع. ولكن المسألة معقدة وتقتضي اختيارا واضحا في المقاربة : إما أن نتحدث عن الأفلام التي تم اقتناؤها في ذاتها وإما أن نتناول موضوع المهرجان وسياساته في اختيار هذه الأفلام بالذات، وإما أن نتعرض إلى المسألتين معا وهذا مشروع أيضا. ولكن يجب الفصل بين المسألتين حتى لا يختلط الأمر في ذهن القارئ، وهذا يحتم الوضوح والدقة والإنصاف. ولكن مع بداهة الأمر، كثيرا ما يسقط النقاد و الصحفيون في الخلط بين هذه المستويات لسبب عميق وثقيل في تقديري وهو وضع السينما في بلداننا. فقلة الإنتاج وصعوبة التوزيع تولّـدان شعورا بالغبن والحرمان يتضاعف بفعل وجود الناقد في سياقٍ (فرنسا عامّة ومهرجان كان خاصّة) يتسم، أقل ما يقال عنه، بالوفرة والرخاء. يتضخم الشعور بالحرمان فيؤثر أيما تأثير على تقييم الأعمال ويولّد المبالغة في هذا الإتجاه أو في ذلك، والغالب هو التقليل من قيمة العمل إذا اعتبرنا أن اختياره غير موفق. من هنا تأتي صعوبة التمييز وضرورة تجنب تأثير ذلك الاضطراب الناتج، في جانب كبير منه، عن مخلفات الأستعمار. كلنا عرضة لهذه التأثيرات، فلمواجهة ما نفترض أنه حيف (رفع عمل ما إلى مرتبة عالية ببرمجته في قسم هام من المهرجان) نلتجئ إلى حيف مضاد (التقليل من قيمته بنفس القدر) لترجيح الكفة

كل ما في الأمر هو أن لكل مهرجان « سياسته » التي يجب فهمها وعدم اعتبار مبدأ اختيار الأفلام مبنيا على دقة قائقة ودراسة معمقة وحرص على اعتبار الجهد أو الإضافة الفنية، أي لا يجب التقليل من هامش الاعطباطية والجهل والذاتية لدى لجان الإقتناء

أردنا التأكيد على هذه الإعتبارات لأن عدد الأفلام العربية مرتفع نسبيا هذه السنة وخاصة المغاربية منها

لا شك في أن هناك حرص على تمثيلية بعض البلدان كالجزائر وتونس والمغرب لأسباب طبعا لها علاقة وثيقة بالتحولات التي تشهدها هذه البلدان، حرصٌ بدأ يتجلى بأكثر وضوح في خطاب إدارة المهرجان من خلال تعليقات تياري فريمو المندوب العام. الملاحظ هو صعوبة الإدلاء الواضح بهذه الإختيارات لأن المهرجان متشبث بصورته « الثقافية » وادعائه الحيادية الجيوسياسية خلافا للمهرجانات الأخرى وهذا يزيد من ارباك المتابع

ربما كان شريط « بابيشا » للمخرجة الجزائرية منية مدور مثالا حيا لهذه القضايا فهو فعلا جدير بالإهتمام والدراسة. قد يطول الحديث فيه ولكن لننطلق من تلقي جمهور المهرجان للفيلم. دام التصفيق قرابة عشر دقائق اثر العرض. ترحيب نادر، يعني أن برمجة العمل استجابت لحاجة علما وأن الحضور محدد سوسيولوجيا. وهذا الترحيب يعبر عن شعور المشاهدين تجاه شريط استجاب بقوة لانتظاراتهم

المخرجة امرأة والشخصيات الرئيسية نساء، طالبات يسكن في حي جامعي في التسعينات. أهمهن نجمة، طبعا لا يخفى على أحد أن الأسم يذكرنا برواية كاتب ياسين المشهورة إن لم نقل أنه يحيل إليهما . الملاحظة الأولى هي أن هناك نزعة جديدة (ضعيفة في تونس والمغرب) لدى المخرجين الشبان الجزائريين كنا أشرنا إليها سابقا تتمثل في الإحالة على السابقين كرغبة في الانخراط في تاريخ واحد وربط حلقات فككتها الأزمات، وهي بينة عند طارق تقية ( في اشارته لفاروق بلوفة ) ولمين عمار خوجة (في تحيته لمحمد زينات) إلخ وإن كانت في هذه الحال تقف عند مجرد التحية ولا ترقى إلى المساهمة في هيكلة الفيلم. علما وان منية مدور هي ابنة السينمائي الراحل عز الدين مدور وكانت اخرجت مؤخرا شريطا عن السينما الجزائرية

الملاحظة الثانية هي أن المرحلة التي تدور فيها أحداث الشريط لا تزال تمثل خزانا لعدد من الأعمال لما تكتسيها من خطورة وهذا أيضا لاحظناه لدى عدد من المخرجين وهو أمر عادي وطبيعي، الصعوبة تكمن في تضمين القرائة التاريخية في زمن انتاج العمل خاصة وهو نسق سريع التحول

الملاحظة الثالثة تتعلق بنسبة النساء المخرجات الذي لا يزال في الجزائر محدودا بالرغم من قيمة اللاتي يشتغلن الآن

كل هذا أعطى للعمل قابلية أكبر للرؤية في ظل تنامي الأفلام المتعلقة بالمجموعات النسائية ك »عصابة البنات » لسيلين سياما الذي افتتح هنا بكان نصف شهر المخرجين سنة 2014 وعرض في مهرجانات عديدة هامة كالبندقية وتورنتو وسان سيباستيان وفيلادلفيا ولندن ومنريال وريو دي جانيرو وتحصل على العديد من الجوائز

هذه مسائل سوسيولوجية هامة طبعا جعلت عددا من المهرجانات تتبنى مبدأ التناصف كما أكده تييري فريمو نفسه في تقديمه لعدد من الأفلام، زد على ذلك الأحداث الجارية الآن بالجزائر، ما دفع فريمو إلى اللجوء إلى نوع من الاستفزاز قائلا إنه يرغب في اثارة حادثة ديبلوماسية. طبعا جاءت العبارة في شكل هزلي ولكن دلالاتها كبيرة

بقي أن الفيلم اختفى كعمل فني وراء كل هذه الإعتبارات فإذا توقفنا قليلا عند الكتابة السينمائية وتمعنا في وجهة النظر كما تجلت من خلال استعمال الأساليب الفنية نلاحظ بسهولة نقائص كبيرة في الشريط لا فقط من حيث السيناريو الذي انبنى أساسا على فكرة بسيطة بل ساذجة وهي أنه كلما تعرضت نجمة لهجمة إلا وزادت عزيمتها والأمر يتكرر بنفس الطريقة في الشريط، كما غابت تماما الخلفية الإجتماعية والسياسية المعقدة التي من شأنها أن ترسخ الفيلم في أرضية صلبة وتعطيه العمق اللازم ثم كانت الشخصيات سطحية تقتصر رغبتها على مسألة واحدة مما جعل موضوع الرغبة بالتحديد محدودا جدا، ثم ما يزيد في ارباك القارئ المتعمق هو استعمال اللغة الفرنسية في الفيلم الذي لا يمكن لأحد أن يشكك في واقعيته ولكنه كان غامضا بينما كان يمكن ان يكون عنصرا أساسيا في قراءة نفسية الشخصيات وابراز تناقضات المجتمع

وربما اهم شيء هو أن الفيلم لم يأخذ في الاعتبار كل ما أنجز من أعمال مغاربية في هذا الصدد والأمر غريب خاصة كما ذكرنا أن منية مدور تولي اهتماما بتاريخ السينما المعاصرة في بلادها

هذا لا يعنى أن الشريط تافه أو خال من الميزات، فأبرز ميزته هو توفق المخرجة في شحن شخصياتها بطاقة قوية لافتة وممتعة جعلتهن تخترقن فضاء الفيلم اختراقا كله حيوية

ولنا عودة للفيلم بعد مشاهدتنا للأفلام العربية الأخرى

الثابت والمتحول

2019-05-20

عفوا لم نجدكم » لكان لوتش »

الثابت والمتحول : معادلة أفلام الأقسام الرسمية ولعبة المهرجان مع متابعيه. كان لوتش مثالا. السؤال هل يتحصل المخرج البريطاني مرة ثالثة على السعفة الذهبية ؟ قد يكون وقد لا يكون. المفارقة لا تزال تكبر ولا يزال كان لوتش يعيد انتاجها من شريط إلى شريط، ولا أحد ينتظر منه تغييرا أو تراجعا. عائلة بسيطة متكونة من الأب والأم وابن مراهق وبنت صغيرة، عائلة شعبية نموذجية تعاني الأمرين من قهر النظام الرأسمالي. هو يشتغل سائقا، هي معينة منزلية تعنى بالمرضى وكبار السن في بيوتهم. يتابع كان لوتش عن كثب العلاقات العائلية وتأثرها بظروف العمل القاسية معتمدا ضربا من الواقعية الإجتماعية بات سيدها الأوحد. لا يمكن لأحد نقض حكم كان لوتش، قسوة النظام الرأسمالي لا نقاش فيها، كل القيم الإنسانية تنهار تحت وطأته، لا يوجد مخرج على وجه الأرض يضاهي صاحبنا في فضحه للاإنسانية رأس المال والتنديد بها، وتميزٰه يكمن في اطلاعه على جزئيات القوانين (بكل معاني الكلمة) التي تسير علاقاتنا وتحددها مهما كان ثراؤنا الإنساني

وهنا بالتحديد تكمن المشكلة، مشكلة كان لوتش، فهو لا يترك للشخصيات أي إمكانية للخلاص. فهم في الوقت نفسه لعبة بيدي القهر المنظم وهذا الرصد قريب جدا من الواقع ولعبة طيعة بيدي الكاتب والمخرج السينمائي، لا يمكن لهم التحرك خارج ما سطر لهم وهو أمر محير للغاية من حيث الإبداع وقدرة الفن السابع لا فقط على اعادة انتاج الواقع الاجتماعي ولكن على الاقتراح الذي يتجاوز كل الأسباب والمسببات

.

ألم وشهرة » لبيدرو المودوفار »

الثابت والمتحول : ألمودوفار, آه ألمودوفار. ثابت وعلى ذاته يدور. وفاؤه لنفسه يرقى به إلى طبقة المترشحين الكبار للسعفة الذهبية. إذا كنت من أنصار المودوفار فلن يخيب ظنك. وفاؤه على قدر خيانة شخصياته. « ألم وشهرة » ذكريات مخرج كبير يعيد قراءة مسيرته بمرها وحلوها، الطفولة البائسة ولحظات نشأة الرغبة الأولى والغراميات والشهرة… منذ الوهلة الأولى، منذ الجينيريك، يتم اللقاء مع المودوفار ومع ألوانه وشخصياته النسائية (أه بينيلوب كروز !) والرجالية ( آه انتونيو بانتيراز !) تحركها رغبة جانحة في الحياة والحب في فضاءات متوسطية متناغمة مع محيطها بجماله وقبحه. عندما تدخل عالم المودوفار تجد ما تنتظره تماما كما تدخل عالم كان لوتش. مع طبعا كل الفوارق في الألوان والرؤى. ثابت وعلى ذاته يدور… لا يمكن بالمناسبة أن لا نتذكر كل المخرجين الكبار الذين في لحظة ما وقفوا على سيرتهم الذاتية. لنترك يوسف شاهين، حدوثة قد تذهب بنا إلى بعيد بعيد وان كان هو أيضا متوسطي وان كانت المقارنة تصح ولكنها لن تكون تماما في صالح المودوفار. لنأخذ فيليني وهو أقرب ثقافيا من صاحبنا ولنتذكر « ثمانية ونصف » فندرك كم نحن بعيدون عما يمكن أن ينتظره محبو السينما كلما تناول مخرج كبير موضوع السينما من باب سيرته الذاتية. ولكل واحد حكمه وذوقه

حياة خفية » لترينس ماليك »

الثابت والمتحول : تيرنس ماليك. هنا يتحول الثابت وندخل بابا مغايرا. المنعرج خطير لأن تيرنس ماليك لا يلعب وان كان لا يمتنع على الدوران على ذاته أو لنقل أنه يلعب لعبة أخطر. تاه تيرنس ماليك منذ سنوات وغاب عن رادار متابعي السينما التقليدية، تاه في فضاءات جديدة راميا عرض حائط السينما التقنيات المعتادة في بحث محيّر عن شئ نجهله في مفترق طرق بين الحلم والشعر والتغني بالطبيعة والتخلي التام على الخطية السردية. ولكن موضوع « حياة خفية » تاريخي سردي بامتياز لا يحتمل اللعب هنا في سماء كان : مواطن نمساوي، فلاح بسيط يقف صامدا ضد النازية بدون هوادة وبكل هدوء إلى آخر لحظة في حياته حتى الإعدام. القصة حقيقية ومعروفة ومراحلها بينة في الشريط : فرانس ياجرستاتر في ريفه ينعم بالسعادة منصهر في وسطه سعيد بزواجه وببناته، تحولٌ فجئي للنظام ودعوته للاتحاق بالجيش ورفضه الذي باغت الجميع واعتقاله ومعاناته في السجون والمساعي المتكررة لكي يتراجع عن رفضه لمبايعة هتلر ومقاومته المستميتة، كل ذلك موجود في الشريط ولكن لم يتخل ماليك عن تمشيه الأخير الذي يصعب وصفه : استعماله لتقنيات الكامرا الرقمية، اشتغاله على الزاوية العريضة، حركة لا تتوقف، مونطاج يمزج بين الحاضر والماضي بطريقة مفاجئة وغير معتادة، مراوحة بين الشخصيات ومحيطها الطبيعي في سنفونية روحانية لا تبعد عن فلسفة وحدة الوجود وتمطيط زمني مجرد، شريط صوتي منفلت عن الصورة، موسيقى لاتنتهي وقراءة للرسائل المتبادلة بين فرانتس وزوحته. الثابت هنا هو أن تحول تيرنس ماليك لا رجعة فيه. ابتعد ماليك (ولم يأت حتى إلى المهرجان) ولكن هل اقترب من السعفة الذهبية ؟ في قضية الحال، في قضية تيرنس ماليك المسألة تتعلق بشئ آخر يتصل بماهية السينما.

طلامس لعلاء الدين سليم يخترق كل الحدود

2019-05-22

في جدلية المهرجانات والأفلام أقولها صراحة : هناك أفلام يرفع مهرجان كان من شأنها وهناك أفلام ترفع من شأن المهرجان. وكي لا يشوب كلامي أيّ ُلبس أؤكد أن « طلامس » ينتمي إلى الفئة الثانية، وكي لا يشوب   كلامي أيّ لبس أؤكد أن علاء الدين سليم سينمائيُّ عظيم، لاحظتم أنني لم أظف تونسي ولا مغاربي ولا عربي ولا إفريقي ولا متوسطي ولا عالمي، لأنه كل ذلك معا (أتحدث طبعا عن السينمائي)، لأنني أخشى أن يقلل النعت من المنعوت، أخشى عدم اللياقة إن قلت هو سينمائي تونسي عظيم أو سينمائي عالمي عظيم.  اللياقة هي أن أقول إن علاء الدين سليم سينمائي عظيم والوجاهة هي أن أقول إن « طلامس » ينتمي إلى فئة الأفلام التي ترفع من شأن مهرجان كان

هل من الضروري أن أوضح أن اقوالي هذه لا تلزم أحدا سواي؟

كعادته لا يميل علاء الدين سليم في كتابته إلى التسلسل الدرامي الخطي فالعمل جاء في جزئين  كما كان الشأن في « آخر واحد فينا« . الجزء الأول واقعي ومعهود يحمل كل علامات السينما الإجتماعية بينما يحمل الجزء الثاني علامات غريبة بل غرائبية. منذ خروجه من الثكنة بعد موت أمه المتزامن مع انتحار زميله يدخل س. (هكذا اختار علاء الدين تسمية شخصيته) في عالم مغاير بعيدا عن السياق الحضري، يدخل س.

Close