FID Marseille 2016 (Tahar Chikhaoui) مهرجان فيد بمرسيليا 2016 بقلم الطاهر الشيخاوي

1

تنطلق غدا فعاليات الدورة 27 للمهرجان العالمي للسينما بمرسيليا وهو من أهم مرجانات جنوب فرنسا وبالتأكيد أهم مهرجان بمرسيليا وعرف سابقا بتخصصه في للسينما الوثائقية. في الواقع هكذا كان يسمى : « المهرجان العالمي للفيلم الوثائقي » إلا أن جان بيار ريم مندوبه العام أبى إلا أن يفتحه على أنواع أخرى من الأجناس لتبقى ميزته الأساسية جانبُـه التجريبي وارتباطه بالفنون البصرية المعاصرة. وحتى نعطي للقارئ التونسي فكرة على اتجاه التظاهرة فنذكر أن فيلم « بابل » لعلاء الدين سليم ويوسف الشابي واسماعيل تحصل منذ أربع سنوات على الجائزة الكبري، كما نذكر أن « سقسي خيالك » للمين عمار خوجة و « في راسي رونبوان » لحسن فرحاني الجزائريين تحصل كل منهما على الجائزة الاولي في مسابقة الأفلام الفرنسية باعتبار انتاجهما المشترك. وكان الأمر كذلك بالنسبة لشريط المخرجة الجزائرية ناريمان ماري « لوبية حمراء ».

يستقبل مهرجان الفيد هذه السنة قرابة 150 مخرجا وفنانا ومنتجا وممثلا وكاتبا وتقنيا ويعرض 130 فيلما من 35 بلدا، يمنح ما لا يقل على 12 جائزة وأهمها الجائزة الكبرى للمسابقة العالمية والجائزة الكبرى للمسابقة الفرنسية وجائزة جورج دي بوروغار الدولية وجائزة جورج دي بوروغار الوطنية وجائزة أول عمل

كما يتضمن المهرجان عددا من الأقسام وهي في الانتقاء الرسمي المسابقة الدولية والمسابقة الفرنسية ومسابقة الفيلم الأول كما تحتوي على قسم الشاشات الموازية وتشتمل على تكريم المخرج الكوري هونغ سانغ سو الذي ستعرض أعماله كاملة وعلى « حكايات بورتريه » و « حركة » و »فانترياوكي » و »التواءات » و « مسارب » إلخ وهناك أيضا قسم « حصص خاصة » كما يتضمن المهرجان على مخبر اسمه « فيد لاب » ويتمثل في عرض مشاريع أفلام في طور الإنجاز

كما تعرض الأفلام في 8 أماكن منها متحف خضارات أوروبا والمتوسط و فيلا المتوسط وقاعة الفارييتي وسينما الميروار وقاعة المكتبة البلدية الكازار ومسرح سيلفان وقاعة الفيديودروم

اما في خصوص المشاركين فالملاحظ أن هناك عدد من السينمائيين التونسيين والعرب

من تونس نذكر وجود علاء الدين سليم والذي كما سبق ان قلنا كان قد تحصل على الجائزة الكبرى بشريطه « بابل »، يتقدم هذه السنة أمام مخبر « فيد لاب » بمشروع فيلمه الذي هو بصدد انجازه وعنوانه « آخر واحد فينا » وهو أول عمل روائي طويل له، كما سجلنا وجود اسماعيل بحري في قسم الشاشات الموازية وبالتحديد في « فنتريلوكي » وهي تجربة خاصة جدا تسائل السينما في علاقته بالفنون البصرية الاخرى ومدته 32 دقيقة ونشير أيضا إلى وجود ايمان بوزيري وهي تشارك بعمل أعدته في اطار دراستها بالمعهد العالي لفنون الملتميديا بمنوبة وكانت قد شاركت في إطار فعاليات « لمسات أولى » التي نظمتها جمعية ارخبيل الصور بالتعاون مع نشاز في شهر فيفري الماضي في ورشة الإخراج بشريط « الغابة »

وتجدر الإشارة إلى أن المخرج اسماعيل أحد مخرجي بابل سيكون أيضا حاضرا في المهرجان كعضو في لجنة من لجان التحكيم وهي لجنة تحكيم المعهد الفرنسي وهناك أسماء أخرى عربية كغسان سلهب و خليل جريج وجوانا حجي وريما المسمار من لبنان وكذلك المخرج الجزائري الشاب جمال كركر بشريطه الطويل « أطلال » في المسابقة الفرنسية وسوف نعود بالتفصيل لهذه الاعمال في إبانها

2

الحدث بالنسبة إلينا البارحة هو عرض شريط غسان سلهب « حبر صيني » بقاعة متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية في إطار المسابقة الدولية

غسان سلهب مخرج لبناني يعتبر من أهم السينمائيين العرب وبدون شك أهم سينمائي لبناني. عرف بتفرده وجرأته من حيث الكتابة السينمائية.

« حبر صيني » فيلم سلهبي بامتياز، بعيد عن الخطية السردية، ملازم للسياق الحارق في المنطقة، يتكلم أولا وآخرا لغة الفن السابع، ولك

جاء غير مكرر للأفلام السابقة بل دهب فيه سلهب مذهبا أكثر تجريبية.

تجاوز عدد المتفرجين المأتين وتلى العرض لقاء مطول وشيق مع المخرج. لنا حديث لاحق ومفصل حول هذا العمل الحدث.

الحدث الثاني تم صباح يوم البارحة في إطار مخبر الفيد أو ما يسمى بال « الفيد لاب » وهو عرض علاء الدين سليم لمشروعه الجديد « آخر واحد فينا » بمعية منتجه شوقي كنيس. تم اللقاء بالقاعة الشرفية بالغرفة التجارية في وسط مرسيليا أمام حضور غفير

قدم المخرج والمنتج عملهما وتعرضا إلى موضوع الفيلم والضروف الصعبة التي تم فيه الإنتاج ثم عرضا صورا منه ومقطعا مطولا. ولا بد من الإشارة إلى أن وقع اللقطات المعروضة كان واضحا لدى الحاضرين لما يحمله من شخنة جمالية و تفرد نادر في الكتابة السينمائية. الحصة كانت مفتوحة للعموم لكن سيكون لصانعي الفيلم لقاء مغلق مع أعضاء لجنة التحكيم التي تترأسها ريما مسما ريسة صندوق أفاق اللبنانية. وسوف نعود أيضا في مقالاتنا اللاحقة إلى هذا العمل

3

الجائزة الكبرى من نصيب المخرج الشيلي اينياسو آغويرو

و الجزائري جمال كركر يتحصل على جائزة أول عمل

نزل الستار على الدورة 27 للمهرجان الدولي للسينما بمرسيليا البارحة بقاعة العروض بالفيلا ميديتيراني في حفل تم فيه توزيع الجوائز. وكان الفائز بالجائزة الأولى المخرج الشيلي اينياسو آغويرو بفلمه « Come me da la gana II » (كما يحلو لي 2) وهو تتمة لعمل قام به سابقا سنة 1985 يحمل نفس العنوان (كما يحلو لي 1) وذلك تحت نظام بينوشي الديكتاتوري حول السينما وماهيتها. كما تحصل جمال كركر المخرج الجزائري الشاب على جائزة أول عمل. وعنوان فلمه هو « أطلال » سوف نتعرض له في مقال لاحق.

من الواضح أن الظرف الذي انعقدت فيه هذه الدورة لم يكن عاديا. أولا انطلقت فعالياته مباشرة بعد ألعاب كرة القدم الأوروبية والتي شابتها بمرسيليا أعمال عنف تناقلتها كافة وسائل الإعلام، ثم جاءت العملية الإرهابية بنيس بعد يومين فقط من انطلاق المهرجان لتعكر الجو. كما لم يساهم الميسترال (وهي ريح قوية عرفت بها منطقة مرسيليا) في توفير جو ممتع بالنسبة لمتابعي المهرجان. وبصفة عامة خيمت على المهرجان حالة من الفتور لها ناتجة بالتأكيد على الأوضاع الإقتصادية العامة والتراجع في تمويل المهرجان بالرغم من أنه يحضى بأكبر دعم بالمقارنة مع المهرجانات الأخرى

ولكن مع ذلك كله تمت فعاليات المهرجان بنجاح وشهدت قاعات السينما إقبالا لا يستهان به. فيبقى الفيد موعدا صيفيا هاما في مرسيليا ومناسبة بالنسبة لمحبي السينما لمشاهدة العديد من الأعمال القيمة والحديثة القادمة من جميع أنحاء العالم.

لم تكن الأسماء المشاركة في المهرجان كلها معروفة وتلك هي فلسفة التظاهرة التي تسعى إلى اكتشاف مواهب جديدة وشابة ولكن لم يخل البرنامج من قامات كبرى وذلك في كافة أقسام المهرجان.

ومنها بالخصوص هونغ سانغ سو السينمائي الكوري المشهور الذي كرمه المهرجان من خلال عرض 17 شريطا. كانت فرصةً تعـرّف فيها شباب مرسيليا على واحد من أهم مخرجي آسيا، وتجدر الإشارة إلى أن هونغ سان سو يتمتع بشهرة كبيرة هنا في فرنسا لعدة أسباب من بينها ما تحمله أعماله من أوجه شبه مع السينما الفرنسية. فكثيرا ما تمت مقارنته بايريك رومير أحد أهم رموز الموجة الجديدة الفرنسية. فإعادة مشاهدة أعماله تجعلك تدرك تماسك أسلوبه : يبدو لك انه يحكي دوما نفس الحكاية : سينمائي يدرس في معهد السينما متزوج وله علاقة مع طالبة، علاقة حب معقدة بسبب السلطة المعنوية للأستاذ السينمائي الذي يتسم في نفس الوقت بهشاشة نفسية تجعله يتصرف بطريقة غير عادية. وغالبا ما يكون السرد ملتويا مجانبا للخطية الكلاسيكية حيث تتغير وجهات النظر فتروى الحكاية من زوايا مختلفة إلخ، سينما غير مكلفة تتقاطع فيها الهموم العاطفية بالهموم السينمائية في معالجة رهيفة ولطيفة.

ثم هناك وجوه معروفة من السينما العالمية كباتريسيو غوسمان المخرج الوثائقي الشيلي المعروف الذي قدم ما يسمى بالماستير كلاس أي محاضرة في شكل درس حول السينما كما يراها وكما مارسها وذلك يوم 14 جويلية بمتحف حاضارت أوروبا والمتوسط، وبالتوازي تم عرض فيلمين من أفلامه الأخيرة وهي « صليب الجنوب »1990 و « مثال بينوشي »2001

يمكن كذلك الإشارة إلى لبيرتران بونيلو المخرج الفرنسي المشهور الذي عرض له فيلم قصير بعنوان « سرى وينشستير الأوبيرا الشبح » وكان أول عرض عالمي وقد تحصل على جائزة المركز الثقافي. كما اقترح المهرجان على جمهوره « موت لويس الرابع عشر » لألبير سيرا المخرج الإسباني الشهير والذي كان قد عرض في مهرجان كان، شريط في غاية من الجمال والعمق.

ولكن أغلب المخرجين المشاركين في المهرجان هم غير معروفين والعديد منهم لا يزال في بداية طريقه وهذا يعد من مزايا مهرجان الفيد الذي يحاول المراهنة على مواهب ناشئة تمارس أشكالا جديدة من الإبداع السينمائي

أما بالنسبة للسينما العربية فسوف نتطرق لها في مقال لاحق.