عودة السينما المصرية لمهرجان كان

غابت السينما المصرية لسنوات من المسابقة الرسمية بمهرجان كان وبالتحديد منذ « بعد الموقعة » ليسري نصر الله سنة 2012. لذلك كان اختيار « يوم الدين« في أهم قسم للمهرجان مفاجأة سارة. مع الإشارة إلى أن مخرج الفيلم أبو بكر شوقي غير معروف وأن الفيلم هو أول شريط طويل له إضافة إلى أنه يختلف عما عاهدتنا السينما المصرية به في المحافل الدولية

ينتمي« يوم الدين » إلى السينما المستقلة أكثر منه إلى سينما المؤلف، فهو تماما على نقيض الافلام الروائية المصرية المرتبطة بالصناعة والأجناس القائمة حتى الفنية منها.فالمسألة هنا لا تقاس في تقديرنا بدرجة الإبداع الفني بقدر ابتعاد العمل على نمط الإنتاج السائد، وهذا التمييز مهم للغاية في رأينا لأنه يبعدنا على الخلط بين الإرتقاء الإبداعي والإختلاف في نمط الإنتاج والإخراج. أولا، مصادر التمويل كانت مختلفة على المعهود فمساهمة مناصري المشروع وأصدقاء المخرج كانت حاسمة. ثم جاءت المقاربة قريبة جدا من الوثائقي بل من الوثيقة، لصيقة بالواقع، فهي تكملة لتجربة سابقة قام بها المخرج منذ تسع سنين في مستعمرة لمصابين بمرض الجذام. ثم، وهذا أمر أهم، التجأ المخرج في اختياره للممثل إلى شخص مصاب بمرض الشخصية وليس لممثل قادر على لعب دور المصاب، كان تعرف عليه بالتحديد بمناسبة فلمه الوثائقي السابق في تلك المستعمرة

يغادر بشاي المستعمرة بعد وفاة زوجته في مستشفى الأمراض العقلية مقرا العزم على الرجوع إلى مسقط رأسه بالرغم من بعد المسافة وافتقاره التام لوسائل التنقل ما عدى حماره الوفي، يصاحبه في الرحلة طفل يتيم بالرغم من معارضته لذلك. قصة اجتماعية بامتياز يمثل مركز الإهتمام فيها صعوبة تعايش المصابين بمرض الجذام مع الآخرين وما يتعرضون له من أنواع الإحتقار والرفض والتمييز . هذا طبعا جانب هام وأساسي جدا في العمل يأخذ أحيانا أشكالا ساذجة ومباشرة بالرغم من جهد المخرج في توخي الإحتشام والرقة.ولكن قيمة الشريط تكمن في اختيار أسلوب الحكي الذي لم يُسجن في حلقة المنطق الواقعي الضيق بل أخذ منحى خرافيا طريفا

فكانت البساطة وقلة الأحداث إلى ضربا من الجمالية جذبت الفيلم نحو الخرافة الفلسفية التي نأت به عن التفسيرات الوضعية وأضفت عليه مسحة إنسانية أعمق و تشكلت سينمائيا في تركيبة طريفة

فمن المعروف أن الفن السينمائي الكلاسيكي مبني على وجه الإنسان كفضاء أساسي لتشكل المعنى وما ترتب عن ذلك من جماليات وإنتاج للنجومية، ونعلم كم قاومت سينما المؤلف في أروبا والسينما المستقلة في أمريكا معايير جمالية النجوم بالإلتجاء إلى أصناف من الملامح البعيدة عن النمطية

يكفي فقط ذكر شريط « اليفنت مان » لدافيد لينش في هذا المجال

ونعرف أن السينما المصرية نحت منحى السينما الأمريكية في هذا المجال وأسست في المخيلة الجماعية صورا منمطة من خلال نجوم خلدها التاريخ. فاختيار المخرج لممثل أصيب بنفس المرض له أكثر من معنى

فكان على المشاهد أن يتأقلم ويقبل إنسانية الشخصية، ولكن، وذلك هو الرهان الأكبر، بأقل ما يمكن من الإبتزاز الأخلاقي، فلم يختر الإلحاح العاطفي أو تسول مشاعر الجمهور ولكن اختار طريقة في الإخراج تعتمد على هندسة قريبة من التجريد تساعد المشاهد على التحرر من السيكولوجية وتمكّن النظر من الإمتداد في فضاءات واسعة مجردة

ويمكن القول إن مهرجان كان (وهنا يكمن مبدأ أساسي في برمجته) التقط من خلال هذا الشريط بشيء من التأخير اتجاها جديدا في السينما المصرية ظهر منذ مدة وكنا أشرنا إليه في مناسبات. وستكون لنا عودة لهذا الموضوع لاحقا .

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *